أحمد ابراهيم الهواري
51
من تاريخ الطب الإسلامي
وبعد أن تعرف المسلمون عن طريق هذه التراجم على مصادر الطب الأصلية ، وبعد أن عم البحث العلمي وأنشئت البيمارستانات والمعاهد العلمية وتكونت حلقات الدرس - ولهذا بحث مهم خاص ليس الآن محله - بدأ دور استقلال الأطباء المسلمين في بحثهم وتأليفهم . وفي هذا العهد الجديد شرع هؤلاء بتدوين ما فهموه من التراجم في مؤلفات خاصة حسب ذوقهم الخاص ، وأضافوا إلى ذلك كله خلاصة مطالعاتهم وتجاربهم الشخصية ، فكان من نتاج ذلك كتب مستقلة في الطب للمؤلفين المسلمين . وكان لمسلمى إيران خدمات مهمة في هذا الباب أيضا لسابقتهم وماضيهم الطويل في الطب منذ عهد الساسانيين بفضل المدارس الطبية العظيمة التي كانت في إيران ومنها مدرسة جدنيسابور . لذلك فإن كثيرا من الأطباء ذوى الرأي والنظر والأساتذة الكبار والمؤلفين المشهورين كانوا من الإيرانيين ولا سيما في القسم الشرقي من البلاد الإسلامية . أما الطب في المغرب والأندلس ، فإن له بحثا خاصا مستقلا ؛ والكلام في أحوال فلاسفة تلك البلاد وأطبائها كابن رشد ، وابن زهر ، وخلف بن العباس الزهراوى الشهير بجراح العرب وابن جلجل ، وابن واف د وإسحاق بن عمران ، وأحمد بن الجزار القيرواني ، وأضرابهم ، يحتاج لبحث طويل في عدة محاضرات ، ولا سيما الكلام عن أثرهم في البلاد المجاورة لأسبانيا والطلبة الذين وفدوا إلى الأندلس من سائر بلاد أوروبا للدرس والتحصيل ، والكتب العربية التي نقلوها إلى اللاتينية والعبرية وغيرهما - وهذه كلها أمور ذات شأن تقتضينا أن ندرسها دراسة عميقة ، ونخصها بمحاضرة أخرى إن سمح الوقت بذلك . كان أكبر هم معظم العرب في العصور الإسلامية الأولى هو درس اللغة العربية وعلوم القرآن والشريعة ، ولم يكونوا ليهتموا كثير بسائر العلوم . يقول جولد زيهير Gold Ziher المستشرق المعروف وهو من أكبر المستشرقين تضلعا في اللغة العربية ، وله اطلاع واسع على الفقه الإسلامي : - إن عدد علماء العرب حتى في علوم القرآن والشريعة كالتفسير والحديث والفقه كان أقل من عدد العلماء من غير العرب في هذه العلوم أيضا . ومن الأمور التي استرعت نظر الأستاذ إدوارد براون فأشار إليها في مؤلفه ( الطب الإسلامي ) إن الأطباء العرب ولا سيما المسلمين منهم لم يكونوا محل ثقة العرب واعتمادهم في العلاج ؛ وقلما كانوا يرجعون إليهم في ذلك ، ويستشهد الأستاذ براون برواية ذكرها الجاحظ في كتاب البخلاء عن طبيب مسلم من العرب اسمه أسد بن جانى أسد ، فقال له قائل : « السنة